عبد الملك الجويني
319
نهاية المطلب في دراية المذهب
فيها ، فقال بعضهم : الهارونية هذه ، ومضمونها التسبُّبُ إلى إسقاط الاستبراء . وقيل : الهارونية مسألة أخرى ، وهي أن الرشيد غاظه شيء من بعض حظاياه ، وكانت في بيتٍ ، فحلف لا تخرج منه ، وراجع العلماءَ ، فلم يجدوا للبرّ موضعاً ، فقال أبو يوسف : الوجه أن تضرب عليها خيمةً تسترها عن الغِلمة ، ثم تنقض البيتَ ، فتخرج ، ولا يحنث أمير المؤمنين ، فإنها لا تكون خارجة من البيت المشار إليه . وقيل : الهارونية مسألة أخرى ، وهي أنه نظر إلى الجواري اللواتي خلّفهن عليه أبوه ، فمال إلى واحدة منهن ، فذكرت أن [ أباه ] ( 1 ) كان أصابها ، فازداد حرصاً عليها ، ولم يؤْثر اقتحام الحرمة ، فقال أبو يوسف : لا يقبل قولُها فيما ادّعته من الإصابة ( 2 ) . قال أئمتنا : أما مسألة اليمين المعقودِ على المنع من الخروج من البيت ، فجوابنا فيها جوابُ أبي يوسف والسبب فيه أن الحنث والبرّ معقودان على البيت ، وفي هذه انعدامُ متعلّقِ اليمين برّاً وَحِنثاً ، فلا وجه إلا ما قاله أبو يوسف . وأما ادعاء الجاريةِ إصابةَ الأب ، فجوابنا يوافق جوابَ أبي يوسف ؛ فإن الأصل عدمُ الإصابة ، والملك على الجملة مسلّط ، فلا يقبل قولُها . ولا يخفى سبيل الورع على من يحاوله ، ثم للتورع درجات مأخوذة من غلبات الظنون ، فمهما ( 3 ) اقتضى ظاهر الشرع رفعَ الحظر ، وغلب على الظن بسببٍ خفيٍّ محرِّمٌ ، فلا حظر ، ولكن الورع الاجتناب . ثم ترتب الدرجات في الورع على حسب ترتب الظنون ، وإلى هذا أشار الرسول
--> ( 1 ) في الأصل : أباها . ( 2 ) قصة حيلة أبي يوسف للرشيد في شأن الجارية ، حكاها الخطيب البغدادي في تاريخه ، وكذلك ابن خلكان ، ولكن الأحناف لم يذكروها فيما رجعنا إليه من كتبهم ، ولا في ترجمتهم لأبي يوسف ، وكأن الأحناف ينكرونها ولا يصدقونها ، بل يجعلون ذلك من الادعاء عليهم ، وآية ذلك أن الكوثري أنكر هذه الحكاية ، وعدها مكذوبة على أبي يوسف ، ومن أشنع الفرى عليه ( ر . تاريخ بغداد : 14 / 250 ، 251 ، وفيات الأعيان : 6 / 384 ، تأنيب الخطيب : 275 ، مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي : ص 47 التعليق رقم ( 1 ) للكوثري ) . ( 3 ) فمهما : معناها : فإذا .